أحمد بن محمد القسطلاني

120

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( إذا ائتمن ) شيئاً ( خان ) فيه ( وإذا حدّث كذب ) في كل ما حدّث به ( وإذا عاهد ) عهدًا ( غدر ) أي ترك الوفاء بما عاهد عليه ( وإذا خاصم فجر ) في خصومته أي مال عن الحق وقال الباطل ، وقد تحصل من الحديثين خمس خصال الثلاثة السابقة في الأوّل والغدر في المعاهدة والفجور في الخصومة فهي متغايرة باعتبار تغاير الأوصاف واللوازم ، ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف ما في الباطن إما في الماليات وهو ما إذا ائتمن ، وإما في غيرها وهو إما في حالة الكدورة فهو إذا خاصم ، وإما في حالة الصفاء فهو إما مؤكد باليمين فهو إذا عاهد أو لا فهو إما بالنظر إلى المستقبل فهو إذا وعد ، وإما بالنظر إلى الحال فهو إذا حدّث ، لكن هذه الخمسة في الحقيقة ترجع إلى الثلاث لأن الغدر في العهد منطوٍ تحت الخيانة في الأمانة ، والفجور في الخصومة داخل تحت الكذب في الحديث . ورجال هذا الحديث كلهم كوفيون إلا الصحابي على أنه قد دخل الكوفة أيضًا ، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض والتحديث والعنعنة ، وأخرجه المؤلف أيضًا في الجزية ، ومسلم في الإيمان وأصحاب السنن . ثم قال المؤلف ( تابعه ) أي تابع سفيان الثوري ( شعبة ) بن الحجاج في رواية هذا الحديث ( عن الأعمش ) وقد وصل المؤلف هذه المتابعة في كتاب المظالم ، ومراده بالمتابعة هنا كون الحديث مرويًّا من طريق أخرى عن الأعمش ، والمتابعة هنا ناقصة لكونها ذكرت في وسط الإسناد لا في أوّله . ولما ذكر المؤلف كتاب الإيمان الجامع لبيان باب السلام من الإسلام وأردفه بخمسة أبواب استطرادًا لما فيها من المناسبة وضمنها علامات النفاق رجع إلى ذكر علامات الإيمان فقال : 25 - باب قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ هذا ( باب ) بالتنوين وهو ساقط في رواية الأصيلي ( قيام ليلة القدر من الإيمان ) أي من شعبه . 35 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » . [ الحديث 35 - أطرافه في : 37 ، 38 ، 1901 ، 2008 ، 2009 ، 2014 ] . " وبالسند المذكور أوّلاً إلى المصنف قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع البهراني بفتح الموحدة الحمصي الثقة الثبت من العاشرة . يقال : إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة ، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين ( قال : أخبرنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة ( قال : حدّثنا أبو الزناد ) بالنون عبد الله بن ذكوان القرشي ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز المدني ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه أنه ( قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( من يقم ليلة القدر ) للطاعة ( إيمانًا ) أي تصديقًا بأنه حق وطاعة ( واحتسابًا ) لوجهه تعالى لا للرياء ونحوه ونصبًا على المفعول له ، وجوّز أبو البقاء فيما حكاه البرماوي أن يكونا على الحال مصدرًا بمعنى الوصف أي مؤمنًا محتسبًا ( غفر له ما تقدم من ذنبه ) أي غير الحقوق الآدمية ، لأن الإجماع قائم على أنها لا تسقط إلا برضاهم ، وفيه الدلالة على جعل الأعمال إيمانًا لأنه جعل القيام إيمانًا وليلة نصب مفعول به لا فيه ، وجملة غفر له جواب الشرط . وقد وقع ماضيًا ، وفعل الشرط مضارعًا ، وفي ذلك نزاع بين النحاة والأكثرون على المنع ، واستدل القائلون بالجواز بقوله تعالى : { إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ } [ الشعراء : 4 ] لأن قوله فظلت بلفظ الماضي وهو تابع للجواب . وتابع الجواب جواب ، وإنما عبّر بالمضارع في الشرط في قيام ليلة القدر ، وبالماضي في قيام رمضان وصيامه في البابين اللاحقين لأن قيام رمضان وصيامه محقّقًا الوقوع فجاءا بلفظ يدل عليه بخلاف قيام ليلة القدر فإنه غير متيقن ، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل وقاله الكرماني . وقال غيره : استعمل لفظ الماضي في الجزاء مع أن المغفرة في زمن الاستقبال إشارة إلى تحقق وقوعه على حد قوله : { أَتَى أَمْرُ اللَّه } [ النحل : 1 ] وقد روى النسائي الحديث عن محمد بن علي بن ميمون عن أبي اليمان شيخ المصنف بلفظ " من يقم ليلة القدر يغفر له " فلم يغاير بين الشرط والجزاء . قال في الفتح : فظهر أنه من تصرف الرواة فلا يستدل به للقول بجواز التغاير في الشرط والجزاء . وعند أبي نعيم في مستخرجه " لا يقوم أحدكم ليلة القدر فيوافقها إيمانًا واحتسابًاً إلا غفر له " . وقوله : فيوافقها زيادة بيان وإلاّ فالجزاء مرتب على قيام ليلة القدر ولا يصدق قيامها إلا على من يوافقها . وقوله : يقم بفتح الياء من قام يقوم وقع هنا